أحمد بن علي القلقشندي
289
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
قال أبو هلال العسكري : وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجة ويبنى عليها فإنه لا يعذر في شيء منها ، لإجماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها واستجادة ما يضح من الكلام ويستبين ، واسترذال ما يشكل منه ويستبهم ؛ وقد كان عمر رضي اللَّه عنه يمدح زهيرا بأنه لم يكن يعاظل بين الكلام . قال في « المثل السائر » : والفرزدق أكبر الشعراء تعاظلا وتعقيدا في شعره ، كأنه كان يقصد ذلك ويتعمّده ، لأن مثله لا يجيء إلا متكلَّفا مقصودا ، وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيّتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد ، بدليل أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع ، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى ، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به ، ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما . الضرب الثاني من التعقيد - ألَّا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد بخلل في انتقال الذهن من المعنى الأوّل المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود ، لإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة ، مع خفاء القرائن الدالة على المقصود ، كقول العبّاس بن الأحنف : سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا وتسكب عيناي الدّموع لتجمدا يريد إني أطلب بعد الدار عنكم لتقربوا مني ، وتسكب عيناي الدّموع لتجمد وتكفّ الدمع بحصول التلاقي ؛ والمعنى أنّي طبت نفسا بالبعد والفراق ، ووطَّنت نفسي على مقاساة الأحزان والأشواق ، وأتجرّع الغصص ، وأحتمل لأجلها حزنا يفيض الدّموع من عينيّ ، لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم ، ومسرّة لا تزول ، فتجمد عيني ويرقأ دمعي ، فإن الصبر مفتاح الفرج ؛ فكنّى بسكب الدموع عن الكآبة والحزن ، وهو ظاهر المعنى لأنه كثيرا ما يجعل دليلا عليه ، يقال : أبكاني الدهر وأضحكني يمعنى ساءني وسرّني ، وكنّى بجمود العين عما يوجبه دوام التلاقي من الفرح والسرور ؛ فإن المتبادر إلى الذهن من جمود العين بخلها بالدمع عند إرادة